أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

146

التوحيد

في ذلك بطلان حكمة السمع واللسان وفيه زوال علوم المعاش والمعاد وانقطاع الأصول إلى الأغذية والأدوية التي بها حياة الأبدان . ثم كانت الأخبار تتفاقم في الانتشار على قدر الأمور التي عنها الأخبار في العظم نحو ملك لو قتل لانتشر أمره بالضرورة حتى لو أحب الناس كتمان مثله لما قدروا عليه ، وكذلك الخارجة من المعارف المعتادة ، وفيما يقل خطره أو يجري على المعتاد لا يظهر ظهوره ، بل لعله لا يذكر ، معروف ذلك في الخلقة ، وعلى ذلك انتشرت أخبار الفتوح وقهر الملوك ، فعلى مثل هذا أمر الرسل ؛ لأنهم جاءوا بالأمور العظام الخارجة عن الأمر المعتاد عندهم ، فيظهر أخبارهم فتنتشر حتى تبلغ أقاصي الدنيا وأدانيها ؛ إذ هي على وجه لا يملك السامعون كتمانها ، على ما ذكرت من تغاضي الخلقة في نشر مثله . مع ما قد ينتشر مثل ما ذكرت مما لا منفعة فيه ، فالذي يعمّ الخلق جميعا معناه أحق في ذلك ، وفي كل أمر منتشر عن أحد يعود الخبر إن كان على حق أو جور ، فيعلم ما افتعل منه فيغيّر ، وما صدق فيه فيقرّ ، وفي ذلك لزوم انتشار أخبار الرسل في حياتهم وظهور المفتعل من ذلك فيمحى أثره بالنهي والتغيير ، فيبقى الحق الصدق منه ، دليل ذلك أمر رسول اللّه ، حتى لا تأتي ناحية نائية ولا مكانا بعيدا إلا وجدت أثره فيه ظاهرا ، وبخاصة في عصره ، إذ كان ينساب إليه من الآفاق ويظهر شأنه في البلاد ، فإذا كان كذلك لأوجه لقوله أخباره أخبار الآحاد ، ولا لما ذكر من الوجوه ، بل الخبر الواحد في الأمر المهم أو الخارج عن الأمر المعتاد ينتشر انتشارا أظهر ، فكيف فيما فيه دعاء أهل الأديان ، وإرسال الكتب إلى الأفق ، ومجيء الوفود من كل النواحي ، وامتحان الرسل بأنواع الحجاج ، وقصد الملوك نحوهم في إطفاء نورهم ، وإشفاقا منهم على ملكهم أن يذهب ويضمحل ، على ما عرفوا من ضعفهم في أبدانهم وقلة أعوانهم من جوهرهم ، فما ذلك الخوف إلا لعلمهم أنهم أتوا من عند القادر العليم . وعلى ذلك مما يخرج مخرج الآيات من الأمور الخطرة لن يذهب أثر ذلك ما بقي لهم تبّع وبمثله احتجاج ، ولا قوة إلّا باللّه . وما ذكر من إجماعات اليهود والنصارى إنما ذلك أمور اختلفوا فيها على قدر ما احتمل آرائهم فانتشرت في اتباع كل منهم ، ليس ذلك في الآيات ولا في الأمور الخطرة . وبعد ، فإنه متى بلغ ذلك تبديل الشرع حتى كاد أن يمحو أثره ويندرس خبره بفضل اللّه ومنّه في إرسال من يحيي ذلك ويظهر ما عليه الرسل بالآيات القاهرة العقول ، ليعلموا بهم التغيير والتبديل ، وعلى ذلك الانتشار . ثم من حكم اللّه أن يختم بمحمد عليه السلام النبوة ، وأن لا يرسل إلى أمّته بعده رسولا ، جعل أمّته بحيث لا يحتمل تغيّر الأمور الجسيمة ، ومنّ عليهم بكتاب حفظه